|
البداية: كنت دائما اقرأ واسمع عن أدب الرحلات, ولم أكن أتوقع يوما أن أخوض فيه, أولا لكونه يحتاج إلى حس أدبي خاص وقدرات إبداعية متمكنة, وثانياً: لأنني قليل السفر وغير هاو للترحال فضلاً عن ضعفي أمام فرقة التراب, وغير هذا وذاك ظروف السفر التي تغيرت عبر الأزمان فما عادت تكتنفها تلك الأحداث والمشاهد المتداخلة والمتعددة, وقد اختصرت وسائل النقل (الجوية) بشكل خاص سنوات ضوئية من اشجان ومحطات الترحال التي احسد ابن بطوطة عليها وهو الذي اتقن وصف رحلاته بشكل ممتع ومشوق بفضل الطبيعة الجميلة والسفر الطويل.. والرسم بالكلمات للمشاهد الا انني في رحلتي الأخيرة الى تمبكتو الحاضرة الإسلامية التاريخية بجمهورية (مالي) التي قطعنا للوصول إليها (7200 ميلاً) خلال ما يزيد عن سبعين ساعة من السفر المتواصل, ولما اكتنفته هذه الرحلة القصيرة (الطويلة) من احداث ومشاهد جمعت بين الغرابة والإثارة والفكاهة وقليل من الروحانية, وبالتأكيد كثير من سوء التصرف والإدارة.. قررت ان ارصدها كدروس بشكل مشاهد تجنباً للملل والرتابة. المشهد الأول (دعوة مغرية) بدأت المحطة الأولى لرحلة الـ(7200 ميل) باستلامي دعوة من القيادة الشعبية الاسلامية العالمية للمشاركة في الاحتفال الإسلامي الكبير بمناسبة مولد النبي الكريم (ص) والذي سيقام حسب الدعوة بمدينة (تمبكتو) الحاضرة الاسلامية الثقافية العريقة والذي دعيت اليه بصفتي الاعتبارية الشعبية (نجل شيخ مشائخ المقاطرة ومعبق المرحوم سعد محمد صالح, والذي أحسست حينها بقوة حضوره في حياته ومماته.. ولا اخفي غبطتي لهذه الدعوة خصوصاً لما تضمنته من تميز عن سابقاتها بحضور رؤساء من العالم الإسلامي وقيادات إسلامية وشخصيات اجتماعية رائدة وفعاليات على كل المستويات واداة صلاة جامعة للعصر والمغرب وبحضور فاعل من القائد معمر القذافي ورئيس جمهورية مالي احمد توماني توري, وعدد كبير من زعماء قبائل الصحراء الكبرى وعلماء المسلمين وجماهيرهم في مشهد عظيم وفي مدينة (تمبكتو) ذات التراث العظيم والموروث المعرفي الغزير.. توجهت فوراً الى السفارة الليبية لتلبية الدعوة وتأكيد الموافقة وكلي شوق ولهفة لجمع ديني روحاني خلاق, وحاضرة اسلامية وتاريخية, نجوبها لنلمس عن قرب تراثها وتاريخها وعالمها. المشهد الثاني..حرقة الانتظار وخيبة الأمل بدت تباشير سوء الادارة تتجلى ساعة بعد ساعة حينما حجز للوفد اليمني غرف واجنحة في فندق شمر بالعاصمة صنعاء منذ ظهر السبت 8/4/2006م ليكون محطة الانطلاق الجماعي الخامسة من نفس اليوم واذا بنا يطول الانتظار حتى السادسة من مساء الاحد اليوم التالي توجهت الى المطار وهناك قضينا اثنا عشرة ساعة اخرى على مقاعد المطار حتى السادسة صباح الاثنين 12 ربيع كان موعد الحسم والاقلاع 36 ساعة في حالة استنفار وانتظار بالفندق والمطار لم يسمح لنا بالنوم ولا بالعودة الى منازلنا الى ان حلت لحظة الفرج والاقلاع الى باماكو عاصمة جمهورية (مالي) يوم 10/4/2006م وهنا بدأت مرحلة انتظار جديدة حيث لم تكن الرحلة مباشرة توقفت في القاهرة وتأخرت لعدة ساعات في باماكو وتحت حرارة 40 درجة ساعات اخرى نحترق من حرها ولهفة للقاء الاسلامي العالمي الكبير الذي سنؤدي فيه صلاة العصر والمغرب جماعة مع الحشود الحاضرة للاحتفال بالمولد النبوي الشريف.. إلا أن ذلك لم يحدث فقد كان وصولنا الى (تمبكتو) في الثامنة من مساء الاثنين بعد ان انفضت الجموع وانتهى البرنامج الاحتفالي الذي جئنا لأجله وتشتت شملنا حيث ذهب نصفنا للقاء الذي رتب له مع القائد القذافي والوفود العربية والطوارق من ابناء الصحراء الكبرى وشرف وفدنا اليمني بان حظي بتلاوة وثيقة الرابطة الاسلامية لابناء الجزيرة العربية والصحراء الكبرى من خلال النائب الشيخ سلطان السامعي, وهي الوثيقة التي اجمعت فيها القبائل على الالتزام بمعاداة من يعاديها ومسالمة من يسالمها بينما نصفنا الاخر ظل في مالي حتى عودتنا.. وكم تمنيت من منظمي هذه الفعالية برعاية القائد القذافي لو انهم تبنوا تأسيس رباط علمي وديني في تلك المدينة دائم ومستقر ينهل فيه طلاب العلم من كل انحاء العالم باختلاف مشاربهم ومناهجهم الاسلامية ليرتقي بهم الى التعايش المذهبي والتسامح الديني ويعيد مجد الاسلاف بدلاً عن الفعاليات الدينية الموسمية المكلفة وقليلة الجدوى, او ان تكاليف هذه الفعالية التي حضرها عشرات الالاف من المشاركين من مختلف الامصار وتم نقلهم بطائرات خاصة اتجهت الى حساب حماس وابناء فلسطين الجريحة المحرومين من الدعم الدولي او للمقاومة الشريفة في العراق واطفالها المحرومين من لقمة العيش والمشوهين من جراء الغزو الامريكي البريطاني او
|